1. سلي الجمر هل غالى وجنّ و عذّبا

    كفرت به حتّى يشوق و يعذبا

  2. و لا تحرميني جذوة بعد جذوة

    فما اخضلّ هذا القلب حتّى تلهّبا

  3. و ما نال معنى القلب إلاّ لأنّه

    تمرّغ في سكب اللّظى و تقلّبا

  4. هبيني حزنا لم يمرّ بمهجة

    فما كنت أرضى منك حزنا مجرّبا

  5. و صوغيه لي وحدي فريدا و أشفقي

    على سرّه المكنون أن يتسرّبا

  6. مصونا كأغلى الدرّ عزّ يتيمه

    فأودع في أخفى الكنوز و غيّبا

  7. و صوغيه مشبوب اللّظى و تخيّري

    لآلامه ما كان أقسى و أغربا

  8. و صوغيه كالفنّان يبدع تحفه

    و يرمقها نشوان هيمان معجبا

  9. فما الحزن إلاّ كالجمال ، أحبّه

    و أترفه ، ما كان أنأى و أصعبا

  10. خيالك يا سمراء ، مرّ بغربتي

    فحيّا و رحّبنا طويلا و رحّبا

  11. جلاك لعيني مقلتين و ناهدا

    و ثغرا كمطول الرياحين أشنبا

  12. فصانك حبّي في الخيال كرامة

    و همّ بما يهواه لكن تهيّبا

  13. و بعض الهوى كالغيث إن فاض تألّق

    و بعض الهوى كالغيث إن فاض خرّبا

  14. أرى طيفك المعسول في كلّ ما أرى

    وحدت و لكن لم أجد منه مهربا

  15. سقاني الهوى كأسين : يأسا و نعمة

    فيالك من طيف أراح و أتعبا

  16. و خالط أجفاني على السّهد و الكرى

    فكان إلى عيني من الجفن أقربا

  17. شكونا له السّمراء حتّى رثى لنا

    و جرّأنا حتّى عتبنا فأعتبا

  18. و ناولني من أرز لبنان نفحة

    فعطّر أحزاني و ندّى و خضّبا

  19. و ثنّى بريّا الغوطتين يذيعها

    فهدهد أحلامي وأغلى و طيّبا

  20. و هل دلّلت لي الغوطتان لبانة

    أحبّ من النعمى و أحلى و أعذبا

  21. وسيما من الأطفال لولاه لم أخف

    _ على الشيب_ أن أنأى و أن أتغرّبا

  22. تودّ النّجوم الزهر لو أنّها دمى

    ليختار منها المترفات و يلعبا

  23. و عندي كنوز من حنان و رحمة

    نعيمي أن يغرى بهنّ و ينهبا

  24. يجور و بعض الجور حلو محبّب

    و لم أر قبل الطفل ظلما محبّبا

  25. و يغضب أحيانا و يرضى و حسبنا

    من الصفو أن يرضى علينا و يغضبا

  26. و إن ناله سقم تمنّيت أنّني

    فداء له كنت السقيم المعذّبا

  27. و يوجز فيما يشتهي و كأنّه

    بإيجازه دلاّ أعاد و أسهبا

  28. يزفّ لنا الأعياد عيدا إذا خطا

    و عيدا إذا ناغى و عيدا إذا حبا

  29. كزغب القطا لو أنّه راح صاديا

    سكبت له عيني و قلبي ليشربا

  30. و أوثر أن يروى و يشبع ناعما

    و أظمأ في النعمى عليه و أسغبا

  31. و ألثم في داج من الخطب ثغره

    فأقطف منه كوكبا ثمّ كوكبا

  32. ينام على أشواف قلبي بمهده

    حريرا من الوشي اليمانيّ مذهبا

  33. و أسدل أجفاني غطاء يظلّه

    و ياليتها كانت أحنّ و أحدبا

  34. و حمّلني أن أقبل الضيم صابرا

    و أرغب تحنانا عليه و أرهبا

  35. فأعطيت أهواء الخطوب أعنّتي

    كما اقتدت فحلا معرق الزّهو مصعبا

  36. تأبّى طويلا أن يقاد .. و راضه

    زمان فراخى من جماح و أصحبا

  37. تدلّهت بالإيثار كهلا و يافعا

    فدلّلته جدّا و أرضيته أبا

  38. و تخفق في قلبي قلوب عديدة

    لقد كان شعبا واحدا فتشعّبا

  39. و يا ربّ من أجل الطفولة وحدها

    أفض بركات السلم شرقا و مغربا

  40. و ردّ الأذى عن كلّ شعب و إن يكن

    كفورا و أحببه و إن كان مذنبا

  41. و صن ضحكة الأطفال يا ربّ إنّها

    إذا غرّدت في موحش الرمل أعشبا

  42. ملائك لا الجنّات أنجبن مثلهم

    و لا خلدها _ أستغفر الله _ أنجبا

  43. و يا ربّ حبّب كلّ طفل فلا يرى

    و إن لجّ في الإعنات وجها مقطّبا

  44. و هيّئ له في كلّ قلب صبابة

    و في كلّ لقيا مرحبا ثمّ مرحبا

  45. و يا ربّ : إنّ القلب ملكك إن تشأ

    رددت محيل القلب ريّان مخصبا

  46. و يا ربّ في ضيق الزّمان و عسره

    أرى الصّبر آفاقا أعزّ و أرحبا

  47. صليب على غمز الخطوب و عسفها

    و لولا زغاليل القطا كنت أصلبا

  48. و لي صاحب أعقيته من موّدتي

    و ما كان مجنون الغرور ليصحبا

  49. غريبان لكنّي وفي و ما وفى

    و نازع حبل الودّ حتّى تقضّبا

  50. و با ربّ هذي مهجتي و جراحها

    سيبقين إلاّ عنك سرّا محجّبا

  51. فما عرفت إلاّ قبور أحبّتي

    و إلاّ لداتي في دجى الموت غيّبا

  52. و ما لمت في سكب الدّموع فلم تكن

    خلقت دموع العين إلاّ لتسكبا

  53. و لكنّ لي في صون دمعي مذهبا

    فمن شاء عاناه و من شاء نكّبا

  54. و يا ربّ لأحزاني وضاء كأنّني

    سكبت عليهنّ الأصيل المذهّبا

  55. ترصّد نجم الصبح منهنّ نظرة

    و أشرف من عليائه و ترقّبا

  56. فأرخيت آلاف الستور كأنّني

    أمدّ على حال من النّور غيهبا

  57. فغوّر نجم الصّبح يأسا و ما أرى

    على طهره _ حتّى بنانا مخضّبا

  58. و قد تبهر الأحزان و هي سوافر

    و لكنّ أحلاهنّ حزن تنقّبا

  59. و يا ربّ : درب الحياة سلكته

    و ما حدت عنه لو عرفت المغيّبا

  60. و لي وطن أكبرته عن ملامة

    و أغليه أن يدعى _ على الذّنب مذنبا

  61. و أغليه حتّى قذ فتحت جوانحي

    أدلّل فيهنّ الرّجاء المخيّبا

  62. تنكّر لي عند المشيب _ و لا قلى _

    فمن بعض نعماه الكهولة و الصبا

  63. و من حقّه أن أحمل الجرح راضيا

    و من حقّه أن لا ألوم و أعتبا

  64. و ما ضقت ذرعا بالمشيب فإنّني

    رأيت الضحى كالسّيف عريان أشيبا

  65. يمزّق قلبي البعد عمّن أحبّهم

    و لكن رأيت الذلّ أخشن مركبا

  66. و أستعطف التاريخ ضنّا بأمّتي

    ليمحو ما أجزى به لا ليكتبا

  67. و يا ربّ : عزّ من أميّة لا انطوى

    و يا ربّ : نور وهّج الشرق لا خبا

  68. و أعشق برق الشام إن كان ممطرا

    حنونا بسقياه و إن كان خلّبا

  69. و أهوى الأديم السّمح ريّان مخصبا

    سنابله نشوى و أهواه مجدبا

  70. مآرب لي في الرّبوتين و دمّر

    فمن شمّ عطرا شمّ لي فيه مأربا

  71. سقى الله عند اللاذقيّة شاطئا

    مراحا لأحلامي و مغنى و ملعبا

  72. و أرضى ذرى الطّود الأشمّ فطالما

    تحدّى و سامى كلّ نجم و أتعبا

  73. و جاد ثرى الشهباء عطرا كأنّه

    على القبر من قلبي أريق و ذوّبا

  74. و حيّا فلم يخطئ حماة غمامه

    وزفّ لحمص العيش ريّان طيّبا

  75. و نضّر في حوران سهلا و شاهقا

    و باكر بالنّعمى غنّيا و متربا

  76. و جلجل في أرض الجزيرة صيّب

    يزاحم في السّقيا و في الحسن صيّبا

  77. سحائب من شرق و غرب يلمّها

    من الريح راع أهوج العنف مفضبا

  78. له البرق سوط لا تندّ غمامة

    لتشرد إلاّ حزّ فيها و ألهبا

  79. يؤلفها حينا و تطفر جفّلا

    و حاول لم يقنط إلى أن تغلّبا

  80. أنخن على طول السماء و عرضها

    يزاحم منها المنكب الضخم منكبا

  81. فلم أدر هل أمّ السماء قطيعه

    من الغيم أو أمّ الخباء المطنّبا

  82. تبرّج للصحراء قبل انسكابه

    فلو كان للصحراء ريق تحلّبا

  83. و تعذر طلّ الفجر لم يرو صاديا

    و لكنّه بلّ الرّمال و رطّبا

  84. و يسكرها أن تشهد الغيم مقبلا

    و أن تتملاّه و أن تترقّبا

  85. كأنّ طباع الغيد فيه فإن دنا

    قليلا . نأى حتّى لقد عزّ مطلبا

  86. و يطمعها حتّى إذا جنّ شوقها

    إليه انثنى عن دربها و تجنّبا

  87. تعدّ ليالي هجره و سجيّة

    بكلّ مشوق أن يعدّ و يحسبا

  88. و يبده بالسقيا على غير موعد

    فما هي إلاّ لمحة وتصبّبا

  89. كذلك لطف الله في كلّ محنة

    و إن حشد الدّهر القنوط و ألّبا

  90. إلى أن جلاها كالكعاب تزيّنت

    لتحسد من أترابها أو لتخطبا

  91. و مرّت على سمر الخيام غمامة

    تجرّ على صاد من الرّمل هيدبا

  92. نطاف عذاب رشّها الغيم لؤلؤا

    وتبرا فما أغنى و أزهى و أعجبا

  93. حبت كلّ ذي روح كريم عطائها

    فلم تنس آراما و لم تنس أذؤبا

  94. و جنّت مهاة الرّمل حتّى لغازلت

    و جنّ حمام الأيك حتّى لشبّبا

  95. و طاف الحمام السمح في البيد ناسكا

    إلى الله في سقيا الظماء تقرّبا

  96. عواطل مرّ المزن فيهنّ صائغا

    ففضّض في تلك السّهول و ذهّبا

  97. و ردّ الرّمال السمر خضرا و حاكها

    سماء و أغناها و رشّ و كوكبا

  98. و ردّ ضروع الشاء بالدرّ حفّلا

    لترضع حملانا جياعا و تحلبا

  99. و حرّك في البيد الحياة و سرّها

    فما هامد في البيد إلا توثّبا

  100. و لا عب في حال من الرّمل ربربا

    و ضاحك في غال من الوشي ربربا

  101. و جمّع ألوان الضياء و رشّها

    فأحمر ورديّا و أشقر أصهبا

  102. و أخضر بين الأيك و البحر حائرا

    و أبيض بالوهج السماوي مشربا

  103. و لونا من السّمراء صيغت فتونه

    بياضا نعم لكن بياضا تعرّبا

  104. أتدري الرّبى أنّ السماوات سافرت

    لتشهد دنيانا فأغفلت على الربى

  105. ألمّ بكفي النجوم و أنتقي

    مزرّرها في باقتي و المعصّبا

  106. دياري و أهلي بارك الله فيهما

    و ردّ الرّياح الهوج أحنى من الصبا

  107. و أقسم أنّي ما سألت بحبّها

    جزاء و لا أغليت جاها و منصبا

  108. و لا كان قلبي منزل الحقد و الأذى

    فإنّي رأيت الحقد خزيان متعبا

  109. تغرّب عن مخضلّة الدوح بلبل

    فشرّق في الدنيا وحيدا و غرّبا

  110. و غمّس في العطر الإلهيّ جانحا

    و زفّ من النّور الإلهيّ موكبا

  111. تحمّل جرحا داميا في فؤاده

    و غنّى على نأي فأشجى و أطربا