إلى نبيل السروري
يبدأ البوحُ من نقطة الضوء
يذهب في زُرْقةٍ من تراتيل عصر تهاويتَ فيه
يتأمّل كيف تكون الصلاة انبثاقَ البهاليل من لُجَّةِ الصمت بوحاً
ومن نفق الإنحدار المعبأ بالليل أفقاً من الألق اللازوردي
ينشر فيكَ السماوات
يعطي المدى رونقاً... لا كما يبزغ الفجر
لكن كما تتدافع في المهرجان القصائد نشوى
ويرقص من وَلَهٍ موكبُ الذاهبين إلى سدرة الانتشاء.
يبدأ الضوءُ من شاطئ البوح
من رهبة الموت تعبرنا خلسة
أو تداهم في وضح الصمت أحلامنا.
في الكوارث لا فرق
بين اجتياح العواصف، سيّان أيامنا
أو نشوب الحرائق في سندس الزنبق المتفصِّد من جبهات الحنين
ومن أوجه الركب يمعن نحو البهاء
وسيّان حين تداهمنا رهبة الموت
أن نتناجى كسرب العصافير
نبكيَ كالبوم في جنبات المساء.
التراتيل مزهوة عند بدئك في قبضة الموت رفضاً
وعند حضورك حين تغيب المسافة في اللحد
إنك في سرحات التراتيل معنى التوحد باللانهاية
زهو القصائد عاشقة
والمغاني مجنحة
والدفوف انهمار الصبابة في مُهَج المدنفين
يصلُّون خلفك
هل في زوايا الجوامع غير المحبين؟
هل عند محرابك الأخضر المتماوج بالشهقات سوى رقة الوجد
أو خفقات التوسل
تجيد الصعود مع الريح نحو السماوات؟
إن التهجُّد يرقى بنا نحو وجه الألوهة
إن التراتيل تحملنا مثلما يحمل الطلُّ وقعَ الضيا في الصباحْ.
للبهاليل في لحظة الارتقاء إلى ذروة الوجد أورادهم
ولنا خلف نعشك من رهبة اللوعة البكر ما للبهاليل.
يا صادحاً في انهمار الفواجع والليل!
كيف انطوى النغم المشرئب؟
وكيف توارى الشجى في أغاني الندامى؟
ومن أَلْجَم العود؟
من شلَّ ناي الصباحات بالصمت والليل.. من؟
أرى فيك ما لا يُرى
وأداري ازدحام المسافة بالحزن
ألمس رأس الأسى، كي يلين الأسى
وأذهب نحوك في فرحٍ كعيون الصغار على أَنْمُلِ الأمهات
أرى أنَّ لا شيء يعصمنا غير لحد نلوذ به
أو نشيد نخبئ أحلامنا فيه حين يكون التهجد خيل البهاليل
والشدو أسيافهم... والبقاء على الجمر معنى الوجود
وأحسب أني ارتجلت اعتصامك بالزهو
أحسب أني أخذتك من قبضة اللحد
أني رفضت التعاويذ في وجه هذا الذي يخطف الناس في عنفوان
التوهج
يفصد أيامهم في الأسى عنوة.
هل صار شدوي سدى؟!
هل انهدر السحر فيما استفاقت عليه القصيدة
وأقفر عبقر
ماتت شياطينه واستدار السكون؟!
هل نبذتنا المنابر من ضجر...
أم نبذنا الوقوف على عتبات الزمان المدنس بالزيف والدجل
والانحناء...؟!
لنا كل هذا الشقا يستبيح الثواني...
ولي كل ما يترك الفقد
والوحشة المنتقاة
لي العشق يعصمني من مقاربة الإنحناء
يضمد بالذكريات انهيار المعاني
يوزع في المتبقي من العمر زهو النخيل
جموح الرياح...
نفاذ الينابيع، طُهْر الإقامة في خاطر البرق
نأخذ فيك العزاء على ومضة منه...
أكسب حزني وألقاك في غمرات اليقين
لم أكن أوقد النار في حضرات المجاذيب... لا... لم تطب لي المراثي
ولا بهجة الانتخاب
كنت أقبض "زرياب" حيث أردت
وأمنع دمعاً
فأبصر وجهك يهتف بي
أنْ تسامَ بزرياب يشدو
وأنت تحب الغناء
وأنت أنا...
دَعْ لزرياب بوح الندى في الصباح
وعلِّمْهُ همس الجداول
علِّمه أسرار بوح القياثر في سطوة الصمت
كُنْه الأهازيج تطعن وجه الظلام
وتحظى بثغر البنفسج
خُذْ بيد الفرخ يصبح نسراً
ودَعْ بعد ذلك حزنك يذهب مثل السراب
ودمعك مثل السحاب
ففي الروضة البكر تتلو العصافير أسفارها ثم تتقن معنى النشيد
ونبدأ في هذيان الطفولة من وَلَهٍ
حين توقد نار المجاذيب
نبدأ رقص الهيام
وتأخذنا اللوعة المصطفاة إلى حيث تكمن فحوى الحبيب
وحيث يتم التوحد بالفجر
بالضوء
بالبحر
بالعشق
بركب الأحبة يتلون أَوْرادهم كالجداول في غبش النشوة البكر
لا شيء أجمل من نشوة الرقص
في حلقات الهروب من الدرن المستدير
على عنق العصر
لا شيء أرفع... من أن تموت لنحيا
ونحيا لكي لا نخاف العناد.
فهل ضاق صدرك بالهذيان الممل؟
وهل ضقت ذرعاً بذكراك ترزح في الشريان الثواني وفي الوقت
دفق الدم المستباح؟
لنا موعد آخر نتأسى به
لنا في الرياض الفساح
وفي حضرة الله والموت كل السراحْ!