يمضي مع اللحظات برقٌ ساهرٌ
والليل لا يمضي
يسدُّ الأفق معتكراً بوحشته
التي تغتال ومض الروح
تختزل القصائد في أنينٍ خافتٍ وبلاهةٍ
تنضو عن الأشياء مدلول
البقاء
ودهشة الميلاد.
والشفقُ الذي لا ينتهي بتراكم
الأحزان في صدر من البلور
يمعن في فيافي العشق
يعبر وحشةَ اللحظات
غاباتِ الظلام
ويستريح على صبابته التي
لا تنثني
بحواجز الظُّلَم العجاف
ولا بسور الرعب والقتل
المخيِّم كالأفاعي في الجهات
السبع
وجه الروح محروس بأصداف
البنفسج
لا انهمار الليل يبلغه
ولا العَطَب الجحود يشل زند
العشق
تبقى حكمةُ الأيام
والوهج المجنح بالحنين
وبالثواني
ترسم الياقوت في شرر ارتطام
الصخر
صخرَ الموت في سور البقاء
على الهوى
وعلى اقتناص شوارد
اللحظات
تنجو من شراك قوافل البغضاء
والليل المخيِّم بالغناء
وباندحار توهج الأشعار
عاشقةً
وموت العندليب.
يمضي مع اللحظات برق متعب
ويعود مكدوداً بريقاً من رماد الاندثار
وأستريح، ألمُّ أشلائي
أفتش فيها عن أسرار رحلتنا التي
لم أدرِ أوَّلها
ولا يبدو بأن لها انتهاء
والبرق ماضٍ
بيد أن دماً يُراق
وآخر...
لا ينقل الخطوات
مشلول المفاصل والملامح
والجهات.
يمضي مع الحسرات برق ساهر
وأنا أفتش فيه عن معنى المتاهات
التي ابتلعتْ خطاي وعن غموض الاندثار.
مَن يأتي
مِن حيث البدايات انتهت؟
وهل يكون لراحل معنى إذا انهمر
الضياع وسدَّ وجه الأفق جيش الاغتراب؟!
يا برق! في أي المغارات الْتضتْ
عيناك من حنقٍ؟
ومن أي التواريخ الجميلة تنثني زهواً
لتغسل في العيون قذى النكوص
ومن الليالي وحشةَ الصمت المخيم
كالعناكب حول أطراف المدينة؟
لا أنت يضنيك الرحيل
ويرقد الحاوي على أشواك خيبته
ولا ترتاح عينك للسواد
وللسكون ينيخ كابوساً على الدنيا
يسمِّر في الفضاء شناعة
الظُّلَم العجاف
ويعود يشنق في المدينة زرقة
الشفق المخبأ في جوانحنا
عن الفجر الذي اغتالته أيدي
الاندثار
والحادي بين سكينة الإذعان،
مقسوماً، وبين تتابع الومضات
تأخذه السكينة نحو وحل مقفر الأعماق
والومضات نحو تدفق
النبع الذي لا يستكين... وينجب
الأشياء مزهوَّاً بتقبيل الحصى
طهر، ويعتنق الضفاف.
الحادي مقسوم...
وبرق مجهد يبدو وراء الغيب
ملتئم السمات
منسَّق القسمات
لا يلوي على ما دون وبه الأفق طلقا
والجهات منافذَ
ينداح منها موكب الألق الذي
لا يعرف الإغفاء حين تجلل الأحداث
أرجاء الوجود وحين ينتصر الظلام.
هل أنت بدء بداية لا تنتهي؟
هل أودعت أسرارها الرحلات فيك؟
وهل ضمير الفجر يحرس فيك
ندرة مولدٍ آتٍ وتحرس فيه
معنى الانبثاق؟
والحادي...
هل تنهض به النغمات
تفرج عنه من سحق التواريخ
تنزع عنه أغلال السكينة
يرتدي أثواب صبوته ويركب
مهرة الإنشاد ثم يلوذ بالركب المقدس؟
يمضي السؤال كما يسير البرق
لا يلوي على أحد
وأركب مهرة الإلحاح
أمضي من شراك الردة البلهاء
ليأسرني التياع لا يطاق
والليل لا يمضي
ولكن التوهجَ في سديمٍ لا يُنال.
يمضي الذي يمضي
غبار الاندثار يصير
على قلب المدينة.
يمضي الذي يمضي
ويأخذ من حدائقنا الجداول والزهور
يشبع سلطان الرمال
يلغي المسافة بين ما تُبقي الكهوف
وبين ما تهب السيول
بين اختفاق بيارق الشهداء
وعجرفة اللصوص
ويقايض الأيام عن ألق البداية
بالحرائق والرماد
يُلقي شناعته على كل الجهات ويصطفي
كنف الفواجع
وسواكن الأيام والصمت المخيم والمقابر
يمضي ويأخذ من سرائرنا المباهج
وروائع الغزوات والرايات
فرسان انبثاق الفجر في أيلول
مرتجلي الولائم والرحيل
ويشك في سفر الثواني
روعة الإمعان
يلغي بعض ما تهب الثواني
لكن ما يأتي به البرق المجنح لا يصادره انكسار
والبحر في الأعماق يخزن موجه الألقي
حين تعربد الظُّلَم العجاف
وحين ينهمر السكون على المقابر
البحر لا تغتاله الرشقات
لا تلقي الضفاف عليه أغلالا
ولا يلقي بزرقته
انبجاس السرمدية في اصطخاب
لا تكبله الرمال ولا تصادر فيه
أسرار التدفق والخلود
البحر يبقى دائماً بحراً
ويبقى الطحلب الهمجي
بأصناف الزواحف بؤرة للإنحلال.
البحر برق ساهر
والبرق بحر هادر
وأُرتِّب الأحزان باقاتٍ على صدر التجمُّل والحنين
أُعطي المسافة
ما يلائمها وأرقب كيف ترتص الخوارق في سحاب من أنين
وكيف تنفتق المواجع عن غموضٍ رائعٍ
يُومي إلى ما لم نشاهد بعد
للأفلاك ترْقُبُ رحلة الإخفاق
أو للأرض ترتقب النشور.
يأتي مع الزفرات برق ساهر
ينخطُّ في صدر من البلور
يبعث جذوة العشق المقدس
يستريح على شغافٍ من عقيق
يستعيد طلاوة اللحظات
عمق الانتماء
لأوابد القصافات
للفجر الذي ارتسمت به الرايات
للشعراء في غبش البداية
ينشدون كوامن الأشياء
يرتجلون في عطش التواريخ
الجداول
ينشئون جنانهم فوق الخرائب
واعتكار الرمل والظلماء
يستوحون من خفق النجيع على الروابي شدْوَهم
ويرتّبون شوارد اللحظات
في زمن من الأضواء تنسجه
المواكب نشوةً لا تستكين
وعالماً تعطيه باكرة البنفسج
كل أسرار التوغل في الجمال
وفي الرحيل إلى انعتاق الخلق
من رعب الخراب
ومن تداعي الآدامية في متاهات
من الظلم العجاف
وسطوة الصحراء
تنشر جدبها عسسا
يوارون الخناجر في عيون الفجر
من أيلول
ينتهكون زهو الانبثاق الفذ
والفرح المسيبح بالزنابق
وانهمار الأقحوان
يأتي مع الومضات برق راعف
والبحر يبدو راكد
وعلى الضفاف يعسكر الغزو المؤذن
بالفواجع والسكون
وأرى القصائد تفر من شفق يحاول
أن يدق الباب
من نجم يحاول أن يشق الأسر
من شدو يحاول أن يكون جذوة
ينشق عنها السور
أشهد
أن وجه الانهيار يكبل الأقطار
ينصب للعصافير الشراك
ويستبيح كوامن الأشواق في المهج الضماء
وأنه يغتال سانحة الرجاء
وزورقة الأمواج في البحر
المسيبح بالفواجع
وأظل أشهد
ثم
أشهد
ثم أشهد
أنني ألقيت في الدرب العصا
فزعاً
وأن المهر منهوك القوى
والأرض لا تقوى على خطوي
وأنّي لا أشاهد في فيافي الحلم
غير ملامح الأحباب ترسم
فوق خارطة الأسى هجساً تردده
الجهات.
*****
حورة": ساحة في مدينة حجة، كان يتم فيها إعدام الأحرار في عهد الإمامة.